الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

63

تفسير روح البيان

وردوا إلى جهنم والمؤمنون على الأرائك في الجنة ينظرون إليهم فيضحكون منهم كما ضحكوا من المؤمنين في الدنيا فذلك بمقابلة هذا ويفعل بهم ذلك مرة بعد مرة وَيَمُدُّهُمْ اى يزيدهم ويقويهم من مد الجيش وأمده إذا زاده وقواه لا من المد في العمر فإنه يعدى باللام كأملى لهم ويدل عليه قراءة ابن كثير ويمدهم فِي طُغْيانِهِمْ متعلق بيمدهم والطغيان مجاوزة الحد في كل امر والمراد افراطهم في العتو وغلوهم في الكفر وفي إضافته إليهم إيذان باختصاصه بهم وتأييد لما أشير اليه من ترتب المد على سوء اختيارهم يَعْمَهُونَ اى يترددون في الضلالة متحيرين عقوبة لهم في الدنيا لاستهزائهم وهو حال من الضمير المنصوب أو المجرور لكون المضاف مصدرا فهو مرفوع حكما * والعمة في البصيرة كالعمى في البصر وهو التحير والتردد بحيث لا يدرى اين يتوجه وفي الآيتين إشارات * الأولى في قوله تعالى إِنَّا مَعَكُمْ وهي ان من رام ان يجمع بين طريق الإرادة وما عليه أهل العادة لا يلتئم له ذلك والضدان لا يجتمعان ومن كان له من كل ناحية خليط ومن كل زاوية من قلبه ربيط كان نهبا للطوارق ومنقسما بين العلائق فهذا حال المنافق يذبذب بين ذلك وذلك يعنى ان المنافقين لما أرادوا ان يجمعوا بين غبرة الكفار وصحبة المسلمين وان يجمعوا بين مفاسد الكفر ومصالح الايمان وكان الجمع بين الضدين غير جائز فبقوا بين الباب والدار كقوله تعالى مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وكذلك حال المتمنين الذين يدعون الإرادة ولا يخرجون عن العادة ويريدون الجمع بين مقاصد الدارين يتمنون أعلى مراتب الدين ويرتعون في أسفل مراتع الدنيا فلا يلتئم لهم ذلك قال عليه السلام ( ليس الدين بالتمني ) وقال ( بعثت لرفع العادات ودفع الشهوات ) وقال ( الدنيا والآخرة ضرتان فمن يدع الجمع بينهما فممكور ومغرور ) فمن رام مع متابعة الهوى البلوغ إلى الدرجات العلى فهو كالمستهزئ بطريق هذا الفريق فكم في هذا البحر من أمثاله غريق فاللّه تعالى يمهلهم في طغيان النفس بالحرص على الدنيا حتى يتجاوزوا في طلبها حد الاحتياج إليها ويفتح أبواب المقاصد الدنيوية عليهم ليستغنوا بها وبقدر الاستغناء يزيد طغيانهم كما قال اللّه تعالى إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى فكان جزاء سيئة تلونهم في الطلب الاستهزاء وجزاء سيئة الاستهزاء الخذلان والامهال إلى أن طغوا وجزاء سيئة الطغيان العمة فيترددون في الضلال متحيرين لا سبيل لهم إلى الخروج من الباطل والرجوع إلى الحق * والإشارة الثانية في قوله تعالى اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وهي ان ذلك يدل على شرف المؤمنين ومنزلتهم عند اللّه حيث إن اللّه هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاما للمؤمنين ولا يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم باستهزاء مثله فناب اللّه عنهم واستهزأ بهم الاستهزاء الا بلغ الذي ليس استهزاؤهم عنده من باب الاستهزاء حيث ينزل بهم من النكال ويحل عليهم من الذل والهوان ما لا يوصف به * ودلت الآية على قبح الاستهزاء بالناس وقد قال لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ وقال في قصة موسى عليه السلام قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ فأخبر انه فعل الجاهلين وإذا كان الاستهزاء بالناس قبيحا فما جزاء الاستهزاء باللّه وهو فيما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم ( المستغفر من الذنب وهو مصر عليه كالمستهزئ بربه ) * والإشارة الثالثة في قوله تعالى وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ